أهم ما جاء في قصة “فيزياء الفيزيائيين”
1997 عجائب الضوء والمادة تجريباً وتأويلاً
KFAS
كانت أليكس ماوتنر شديدة الفضول تجاه أمور الفيزياء ، كانت تطرح عليّ أسئلة كثيرة ، وكنت أجيب عنها، على ما يبدو ، بالأسلوب الذي اتبعه للإجابة عن أسئلة طلاب كاليفورنيا عندما يأتون إلي أيام الخميس .
وأدركت في النهاية أنني لم أنجح في إفهامها ما كنت أعدّه أهم شيء في الفيزياء : الميكانيك الكمومي quantum mechanics ، ففي كل مرة تناولنا فيها هذه النظرية ذات الأفكار الغريبة ، كان يحدث شيء من الاستعصاء .
وانتهى بنا الأمر إلى أن اعترفت لها أن من المستحيل علي أن أشرح لها تلك الأفكار في ساعات معدودة، ولو استغرقت سهرة كاملة ، وأن ذلك يتطلب مني وقتاً طويلاً ، ووعدتها أن أُعدَّ في يوم ما محاضرات حول هذا الموضوع .
وقد أعددت فعلاً سلسلة محاضرات وذهبت أجرِّبها على النيوزيلنديين ، فنيوزيلندا بعيدة ، والفشل هناك ليس ذا عواقب وخيمة .
لكن النيوزيلنديين أكدوا لي أن كل شيء كان على ما يرام . فاستنتجت أن محاضراتي كانت حسنة الإعداد .. بالنسبة للجمهور النيوزيلندي على الأقل . وهكذا أصبحت جاهزة المحاضرات التي أعددتها وأنا أفكر بأليكس والتي لن تحضُرها مع الأسف .
إن موضوع حديثي اليوم معروف جيدا، والواقع أن ما يُطلب مني عادة هو أن أتكلم عن آخر التطورات في محاولات للعثور على نظرية توحِّد قوى الطبيعية الأساسية الأربع ، ولن يعطني أحد فرصة الكلام عن الأشياء التي أعرفها جيداً .
وهكذا يريد الناس أن يتعلموا مني أشياء لا أعرفها أنا نفسي ، وعلى هذا فلن أحاول أن أبهر نظركم بنظريات ما تزال قيد الدراسة ، ولم يمكن بعد تحليلها إلا بشكل جزئي .
وأُفضل أن أتكلم اليوم في ميدان تم تحليله جيداً بشكل كامل ، إنه مجال من الفيزياء ما زال يثير التعجب ، اسمه الإلكتروديناميك الكمومي .
وفي هذه المحاضرات أرى أن أشرح لكم بكل دقة ممكنة نظرية عجيبة ، نظرية تتعامل مع الضوء والمادة ، وخصوصاً مع التفاعل بين الضوء والمادة .
وسأحتاج لوقت طويل كي أشرح لكم كل ما أنوي شرحه . ولما كان أمامنا أربع محاضرات ، فسوف أجد الوقت الكافي لأضع كل شيء في نصابه .
عُنيت الفيزياء عبر تاريخها بمحاولة الربط بين ظواهر أكثر فأكثر عدداً كي تستنبط من ذلك نظريات أقل فأقل عدداً ، وعلى هذا فقد انطلقت العملية من ظواهر تختلف فيما بينها اختلاف كل من الحرارة والصوت والثقالة gravity فيما بينها .
ثم جاء نيوتن الذي شرح قوانين الحركة ، فتبين أن بعض تلك الظواهر ، التي كانت تبدو متخالفة ، ليست في الواقع سوى وجوه شتى لشيء واحد، هو الحركة .
فقد أمكن ، مثلا ، تفسير الصوت تماما بالاستناد إلى حركة ذرات الهواء ، فلم يعد بالإمكان اعتبار الصوت ظاهرة تختلف عن الحركة ، واتضح أيضا أن الظواهر الحرارية يمكن تفسيرها بسهولة انطلاقاً من قوانين الحركة .
وهكذا تم انضمام مجالات كبيرة من الفيزياء في نظرية بسيطة ، لكن نظرية التثاقل gravitation قد استعصى تفسيرها استنادا إلى قوانين الحركة ، وما تزال حتى اليوم نظرية قائمة بذاتها . فالتثاقل سيظل ، ما لم يثبت عكس ذلك ، غير قابل للتفسير بالاعتماد على ظواهر سواه .
وبعد أن تم هذا الجمع بين الظواهر الحركية والصوتية والحرارية، جاء اكتشاف عدد من الظواهر الأخرى ، هي الظواهر الكهربائية والمغناطيسية .
وبصددها نجح جيمس كليرك مكسويل J.C. Maxwell ، عام 1872 ، في أن يربط ضمن نظرية واحدة بين كل الظواهر الكهربائية والمغنطيسية مع الظواهر الضوئية .
فالضوء ، في رأي مكسويل ، ليس سوى موجة كهرطيسية electromagnetic . وهكذا أصبحت الفيزياء ، عند هذه المرحلة من تطورها ، تحوي ثلاثة فصول هي : قوانين الحركة ، وقوانين الكهرباء والمغنطيسية ، وقوانين الثقالة .
وفي حوالي عام 1900 تم استنباط نظرية في بنية المادة اتخذت اسم النظرية الإلكترونية ، وتقول بأن الذرات تحوي جسيمات دقيقة جداً مشحونة بالكهرباء . ثم حدث تعديل تدريجي لهذه النظرية كي تأخذ بالحسبان وجود نواة ثقيلة في مركز الذرة تدور حولها إلكترونات خفيفة جداً .
وقد باءت بالفشل كل المحاولات التي جرت لتفسير حركة الإلكترونات حول النواة بالاعتماد على قوانين الميكانيك ( وفق النموذج الذي اعتمده نيوتن في حركة الكواكب حول الشمس ).
وقد اتفق ، في ذلك الوقت تقريباً ، أن جاءت نظرية النسبية التي ما زال يقال بأنها أحدثت ثورة في الفيزياء .
لكننا ، حين نقارنها باكتشاف عدم صلاحية قوانين نيوتن في تفسير الظواهر الذرية، تبدو نظرية النسبية ذات مفعول متواضع .
فالظواهر في السوية الذرية غريبة لدرجة أن استنباط منظومة نظرية تقوم مقام قوانين نيوتن استغرق وقتاً طويلاً وعملاً شاقاً . ولم يمكن فهم ما يحدث على مستوى الذرة إلا على حساب التخلي عن الأفكار المستمدة من الحس الشائع ، وقد وجب الانتظار حتى عام 1926 لتوطيد نظرية متكاملة غريبة جديدة على الفكر السائد ، تتيح تفسير السلوك العجيب للإلكترونات في أحشاء المادة .
وعلى هذه النظرية المضطربة التي بدت ظاهرياً فقط غير راسخة الأساس ، أطلق اسم النظرية الكمومية ، وهو اسم مشتق من (( كلمة quantum )) التي تترجم تماماً عن ذلك الوجه من الطبيعة الذي يناقض الحس الشائع . ذلك هو الوجه الذي سأحدثكم عنه.
وبسبب أن هذه النظرية الكمومية قد فسرت أيضاً الوقائق الكيميائية ، كاتحاد ذرتين من الهدروجين مع ذرة من الأكسجين لتشكيل جزيء من الماء ، فقد حلت محل كل النظريات التي كانت قبلها تحاول فهم الكيمياء . وبذلك أصبحت النظرية ، في هذه السوية العميقة ، فرعاً من فروع الفيزياء .
ومن نجاحها في تفسير الكيمياء تبوأت النظرية الكمومية فوريًا مكانة مرموقة . لكن مسألة التفاعل بين المادة والضوء ظلت على حالها .
والواقع أن نظرية مكسويل في الكهرباء والمغنطيسية أصبحت بحاجة إلى تعديلات جذرية تهدف إلى التوفيق بينها وبين نظرية الكمِّ ، وبذلك انبثقت ، في حوالي عام 1929 ، النظرية الكمومية في التفاعل بين المادة والضوء ، تلك النظرية التي أعطيت الاسم المرعب: الإلكتروديناميك الكمومي .
لكن هذه النظرية لم تعدم صعوبات اعترضت طريقها . والواقع أننا لو حسبنا بوساطتها مقداراً ما بشكل إجمالي ، أي بتقريب أولي ، لحصلنا على نتيجة مقبولة تماماً .
لكننا لو حاولنا ، انطلاقاً من ذلك ، إجراء حساب أدق لتبين لنا أن التصحيح الواجب إدخاله – الذي نتوقع منه أن يكون صغيراً جداً ( كما هي الحال ، مثلا ، عندما نضيف حداً آخر إلى سلسلة طويلة من الحدود متقاربة ) – كبير جداً في الواقع ، بل لانهائي الكِبَر! وهذا معناه أن من المستحيل إجراء حسابات تتجاوز دقة معينة .
لنقل بهذه المناسبة إنني رويت لكم حتى الآن قصة ما أُسميه ((قصة فيزياء الفيزيائيين )) ، القصة التي يروونها فيما بينهم .. وهي مغلوطة على الدوام . إنها نوع من الأساطير اتفق عليه الفيزيائيون، وراحوا يحكونه لطلابهم الذين يحكونه بدورهم لطلابهم ، وهكذا دواليك . وليس له بالضرورة علاقة وثيقة بتاريخ الفيزياء الحقيقي .. الذي أجهله طبعاً!.
[KSAGRelatedArticles] [ASPDRelatedArticles]